محمد أبو زهرة

338

المعجزة الكبرى القرآن

ولكن يحاسبون على ما ارتكبوا قبل التوبة ، وللفقهاء كلام طويل في هذا وفي توزيع العقوبات على الجرائم فليرجع إليه في كتب الفقه ، ففيها ما يشفى غلة الصادي المتطلع . ومن الناس من يلهجون باستغلاظ هذه العقوبة ، ويحسبون آثمين أنها ليست إنسانية وأولئك ينظرون إلى العقوبة ، ولا ينظرون إلى الجناية ، ويرحمون الجاني ، ولا يرحمون المجنى عليه ، والمجنى عليه هنا الجماعة ، أولئك يخرجون بقوة واتفاق ، لا ليقيموا حقا أو يخفضوا باطلا بل لمجرد أذى الجماعة ، وينتهكون كل حرمة ، يقطعون الطريق على السابلة ، ويزعجون الجماعة ، فلا بد أن تكون العقوبة كفاء لما يرتكبون ورادعة ، والعدالة الإنسانية توجب المساواة بين مقدار الجريمة ومقدار العقاب ، وكلما عظمت الجريمة كان لا بد من عقوبة تناسبها ، وكما قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « من لا يرحم لا يرحم » ، وذلك هو منطق العدل ، ومنطق العقل . ولو أن تلك العقوبة عوقبت بها العصابات المخربة التي لا تبقى على شئ إلا انتهكت حرماته ، ولها ميزانية من السرقات تبلغ أحيانا ميزانية الولاية أو الدولة التي تكون فيها فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ . 207 - وإن الجريمة التي تقترب من جريمة الحرابة - جريمة السرقة بيد أنهما يفترقان ، فالسرقة أخذ المال في خفية من حرز مثله ، بينما الحرابة أخذ المال بقوة لا يلاحظ فيها الاختفاء ، ولكن يلاحظ الأمن من الاستغاثة وإجابة المستغيث ، فهي في خفاء عن المجتمع ، لا في خفاء عن صاحب المال ، ويفترقان في أن هذه جماعية تخرج بقوة تقاوم قوة الدولة ، ويفترقان في أن الحرابة تتعدد فيها أنواع الجرائم ، والسرقة لا تتعدد فيها أنواع الجرائم ، ولذلك تتعدد فيها العقوبة . ويتفقان في أمرين : أحدهما أن في الجريمتين إفزاع الناس وإزعاج الآمنين ، فلا يأمن أحد على نفسه أو ماله ، ويتفقان أيضا في أن التوبة تقبل من قطاع الطريق ، قبل القدرة عليهم ، وتقبل في السرقة على قول كثيرين من الفقهاء ، وهذا يتفق مع نص القرآن الكريم . وعقوبة السرقة نص عليها في قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) [ المائدة : 38 ، 39 ] . وقد اشترط في التوبة في هذه الحال أن يصلح ، لا أن يتوب بلسانه ، ولا شك أنه إذا سرق من بعد التوبة فإنه تقطع يده .